أحمد بن محمد ابن عربشاه

455

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وتلتهمه وتزدرده ، وتسود بدخانها ، وتؤلم الأجسام بقربانها ، وتمحو الآثار ، وتهدم الديار ؛ مع أنها تنضج الأطعمة ، وتصلح الأغذية ، وتهدى النور ، وتدفى المقرور « 1 » ، وترشد الضال في القفار ورؤوس الجبال ، قال من يقول للشيء كن فيكون أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ [ الواقعة : 71 - 73 ] . وكذلك الما يا ذات الثغر الألمى يذهب الظما ، ويجلب النما ، ويبرد الصدور ، ويطفئ الحرور ، وينبت الزروع ، ويدر الضروع ، ويحمل المراكب وما فيها من مركوب وراكب ، قال القادر على كل شيء وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] وإذا طغت المياه والعياذ بالله ، أغرقت المراكب ، وخطفت الراجل والراكب ، واقتلعت الأشجار ، واقتطعت الأحجار ، وأتلفت الزروع والثمار ، وإن تراكمت الأمطار قطعت سبل الأقطار ، وهدمت الديار ، وردت الآبار ، وسل عن ذلك ملابس الأسفار ، ومجالس الرتب من أهل الأمصار ، وإذا تكاثف الرّش « 2 » غرقت مصر وآذى أهلها العطش ، ونعوذ بالله من هجوم السيل في ظلام الليل . وكذلك التراب يا زين الأحباب ، ينبت الحصرم والعنب ، والثمر والحطب ، والشوك والرطب ، ويشرع سنان الشوك المحدد ، وغصون السهم المسدد ، ويربى الورد والأزهار والرياحين والأنوار ، والأقوات والثمار ، والرياض النضرة والغياض الخضرة ، ثم إذا ثار وهاج الغبار خرج من تحت الحوافر فأعمى النواظر ، ففيه الحلو والمر والزّوان والبرّ « 3 » ، والناعم والخشن ، والقبيح والحسن ، والأرض مهاد وفراش ، وفيها أسباب المعاش .

--> ( 1 ) المقرور : الذي يشعر بالبرودة . ( 2 ) المطر القليل . ( 3 ) الزوان : الزينة . البرّ : الصالح .